شهداء العلم والفضيلة

في النجف الأشرف

آية الله الشهيد الشيخ علي أصغر الأحمدي الشاهرودي

الشهيد الحاج الشيخ علي أصغر الأحمدي ولد في عام (1342 هـ ) في قرية «مزج» إحدى قرى ناحية «بسطام» التابعة لمدينة شاهرود. والده آية الله الشيخ محمد تقي أحمدي من تلامذة المرحوم الآخوند الخراساني(قدس سره) صاحب كتاب الكفاية.

 

دراسته

كانت للشهيد منذ نعومة أظفاره رغبة شديدة في دراسة العلوم الدينية; لذا فما أن أتمّ دراسته الابتدائية حتى غادر قريته متجهاً صوب مدينة قم المقدسة مشياً على الأقدام دون أن يعلم والده بذلك. وفي الطريق اعادته الشرطة الى منزله.

وقد تكررت محاولته عدّة مرّات الى أن اضطرّ والده الى اصطحابه متوجهاً الى مدينة قم المقدسة، حيث انتسب الى المدرسة الحجتية وسكن في إحدى حجراتها التي يسكنها الطلبة القادمون من مناطق بعيدة.

ولم يلبث الشهيد أن طوى مرحلة المقدمات والسطوح ليحضر دروس الخارج. وفي تلك الفترة تعرف الشهيد على الإمام الراحل(قدس سره) ونهل من علومه في الفلسفة والحكمة، كما تتلمذ على يد الإمام الخميني(قدس سره) في خارج الاُصول وكان زميلاً للشهيد المطهري، وكانا يتباحثان معاً. ومن الطلبة الذين زاملهم وبحث معهم دروس الخارج آية الله منتظري الذي قال عن الشهيد: «كان من جدّه واجتهاده واهتمامه بدروسه انه كان يوقظني في منتصف الليل لأبحث معه مسألة من المسائل».

 

أساتذته

تتلمذ الشهيد لدى علماء كبار نذكر منهم على سبيل المثال:

1 ـ آية الله العظمى الإمام الخميني(قدس سره) .

2 ـ آية الله العظمى السيد البروجردي(قدس سره) .

3 ـ آية الله العظمى حجت كوه كمره اي(قدس سره) .

4 ـ آية الله العظمى السيد الخوئي(قدس سره) .

 

نشاطه واستشهاده

بعد اجتيازه مرحلة المقدمات والسطوح العالية في الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة، ولّى وجهه شطر مدينة النجف الأشرف ليستكمل دراسته الدينية في حوزتها التي تمتد الى أكثر من ألف عام.

وبعد ثلاثة أعوام عاد الى إيران وتزوّج ثم عاد مرّة اُخرى الى مدينة

النجف الأشرف.

كان الشهيد أحمدي  من تلامذة آية الله العظمى السيد الخوئي(قدس سره) المبرّزين وأحد أعضاء مكتبه في الاستفتاءات.

كُلف من قبل آية الله العظمى السيد الخوئي(قدس سره) وآية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي من أجل بحث ودراسة القضايا الفقهية.

وقد عُرف عن الشهيد جِدّه واجتهاده ومثابرته في دراسته. وعندما بلغه نبأ استشهاد آية الله الاُستاذ مرتضى المطهري طلب من السيد أبوالقاسم الخوئي أن يقيم على روح الشهيد الراحل مجلس الفاتحة. وقد استجاب السيد الخوئي لذلك، واُقيم مجلس عزاء بهذه المناسبة في مسجد الخضراء حضره علماء كبار وفي طليعتهم السيد الخوئي نفسه.

يقول نجل الشهيد أحمدي في مذكراته: قبل انتصار الثورة الإسلامية وعندما كان الاُستاذ المطهري يتشرّف بزيارة النجف الأشرف كان يتّخذ من منزل الشهيد محلاًّ لاقامته.

وجاء مرّة يحمل نسختين من كتاب اهدى إحداهما الى الإمام الخميني(قدس سره)والاُخرى لآية الله الخوئي من أجل اطلاع العلماء والمراجع على ما يجري ويخطط ضد الإسلام والمسلمين. وكانت موضوعات الكتاب من إملاء علي منزوي وإنشاء علي دشتي.

كان الشهيد متحمساً لإقامة مجالس أهل البيت(عليهم السلام) وكان يشارك في تلك المجالس أينما اُقيمت.

وقد عُرف عن الشهيد تواضعه وأدبه الجمّ حتى صار مضرب الأمثال

لدى معارفه.

كان الشهيد يرى في الحفاظ على كيان الحوزة بتاريخها العريق الذي يمتدّ الى ألف عام واجباً عينياً، ولهذا لم يكن يتردد في بذل كل ما بوسعه في سبيل ذلك.

وبسبب توجسه خيفة ممّا يبيّته البعثيون من حقد وضغينة ونوايا سوء، أرسل اُسرته الى إيران بعد اندلاع الحرب المفروضة، وبقي وحده في مدينة النجف الأشرف.

يقول نجله طالما أرسلت له رسائل اطلب منه القدوم الى إيران لكنه كان يرفض، وكتب لي: لا ترسل إليّ مثل هذه الرسائل، انني لن اُغادر النجف حتى الموت، وحتى لو غادر السيد الخوئي النجف الأشرف فلن اُغادرها أبداً.

وبعد اندلاع الانتفاضة الشيعية الكبرى في شعبان عام (1412 هـ  ـ 1991م) وتحرّر مدينة النجف وأربع عشرة محافظة من هيمنة حزب البعث المجرم، شعرت أمريكا بالخطر من الصحوة الإسلامية وأعطت الضوء الأخضر لصدام ليقضي على هذه الثورة الشعبية العارمة، وراح صدّام يقمع الشعب بقسوة ووحشية وتحولت مدن العراق الى حمامات دم الى أن استعاد الديكتاتور المجرم سلطته على مدن العراق مرّة اُخرى .

كان الشهيد آية الله أحمدي يومها يسكن في مدرسة بخارائي، وعندما كان ينوي زيارة مرقد الإمام أميرالمؤمنين علي(عليه السلام); قال له بعض الطلبة ان الأوضاع في غاية الخطورة، لكنه لم يلتفت الى هذه التحذيرات وغادر المدرسة دون رجعة، وقلق الطلاب عليه.

وما لبثت الأنباء أن جاءت بمصرع عالم دين طاعن في السن سقط على وجهه مقابل مسجد الهندي بعد اصابته برصاصات، وكان هذا الخبر يعني استشهاد آية الله أحمدي، وطارت الأنباء الى إيران لتقام على روحه مجالس الفاتحة والعزاء.

وتبيّن فيما بعد أن الشيخ الذي اُصيب باطلاقات ناريه لم يكن هو وإنّما هو الشيخ محمد برهاني. أما اّية الله أحمدي فقد اعتقل وانقطعت أخباره منذ ذلك اليوم.

وبعد سقوط النظام البعثي الإجرامي، ظهر أنه قد اُستشهد في فترة الاعتقال تغمّده الله برحمته الواسعة.