شهداء العلم والفضيلة

في النجف الأشرف

آية الله العظمى الشهيد السيّد مرتضى الموسوي الخلخالي

أشرقت شمسه في غرة شهر رمضان المبارك سنة (1316 هـ ـ 1898 م) في النجف الأشرف فى اُسرة علمية عرفت بالصلاح والتقى، والده حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد جواد الكاظمي الخلخالي.

وفى غرة شهر رمضان سنة (1411 هـ ـ 1991م) وفي النجف الأشرف حينما اقتحمتها قوى الظلم والطغيان الممتد من الظلم الاُموي على أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم، غُيِّبت شمسه المنيرة فى غياهب السجون خلف سحب الظلم غدراً وعدواناً عن عمر يناهز 95 سنة.

 

مقامه العلمي وأساتذته

بعد انهائه المقدمات على فضلاء النجف الأشرف شرع بدراسة السطوح لدى أساتذة معروفين كالشيخ أبوالحسن المشكيني(قدس سره)  . وبعد إكماله مرحلة السطوح التحق ـ ولمّا يبلغ العشرين من عمره ـ بحلقات الابحاث العليا (الخارج) فحضر على اعاظم النجف فى ذلك الحين نذكر منهم:

1 ـ آية الله العظمى الشيخ ضياء الدين العراقى (قدس سره) .

2 ـ آية الله العظمى الشيخ ابوالحسن المشكينى (قدس سره) .

3 ـ آية الله العظمى الشيخ محمد حسين الإصفهاني(قدس سره) .

4 ـ آية الله العظمى السيد أبوالحسن الإصفهاني(قدس سره) .

وقد لازم الحضور على المحقّق العراقي ملازمة تامة، وأصبح من المختصين به وقرّر أبحاثه، وجعله العراقي وصياً على مؤلفاته وكتبه(1)وأوكل إليه تصحيح بعضها. ثم لذكائه المفرط وروحه النقّادة وتبحره فى حلّ المسائل العلمية كان اُستاذه العراقي يوكل أحياناً جواب الإشكالات العلمية التى تطرح في مجلس درسه إليه.

وكذا كان مختصاً باُستاذه الشيخ أبوالحسن المشكيني(قدس سره) وقد أشار الى ذلك الشيخ (آغا بزرك الطهراني) عند ذكره مؤلفات الشيخ المشكينى (2)وقرّر أبحاثه في الفقه .

وقد بلغ رتبة الاجتهاد وهو فى أوائل العقد الثالث من عمره، وأجازه بذلك كتابة بعض أساتذته(قدست أسرارهم).

تصدّى لتدريس السطوح العليا ـ فقهاً واُصولا ـ نصف قرن تقريباً حضر عنده خلالها كثير من فضلاء حوزة النجف آنذاك ليرتووا من نميره الصافي وليصبحوا فيما بعد علماء ومدرسين في الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدّسة.

وكانت جلسة درسه سطوحاً في العنوان والأسم وذلك لشدة تواضعه

ــــــــــــــــــــــــــــ

1-  مقدمة مقالات الاُصول: 2 /7 ط مجمع الفكر الإسلام قم (1420 ق).

2-  نقباء البشر: 1/ 38.

ــ[178]ــ

وتجنبه عن مقدمات الزعامة والمرجعية، وأمّا فى الحقيقة فكان درسه لا يقل عن البحوث العليا (الخارج) لما كان يطرح ويتعرض فى بحثه لآراء ومباني أساتذته وعلى الخصوص المحقّق العراقي ويضعها على طاولة النقد والتشريح .

وكان من تلامذته الذين وقفنا على تتلمذهم عنده فلا يمكن استقصائهم في هذه العجالة الآيات و حجج الإسلام:

1 - السيد محمد الشاهرودي- قم المقدسة -

2 -السيد محمد مهدي الموسوي الخلخالي - مشهد المقدسة -

3- الشهيد السيد رضا الخلخالي(قدس سره) - النجف الاشرف -

4- الشهيد السيد محمد باقر الحكيم(قدس سره) - النجف الاشرف -

5- السيد محمد على المدرسي اليزدي(قدس سره) - قم المقدسة -

6- الشيخ مصطفى الهرندي - قم المقدسة -

7- السيد هادي الحسيني السيستاني - النجف الاشرف -

8-  السيد عباس خاتم اليزدي(قدس سره) - قم المقدسة -

9- السيد علي المهري - الكويت-

10 - السيد محمد رضا الجلالي - قم المقدسة -

11 - الشيخ حسين الراستي الكاشاني -  طهران-

وقد كان(قدس سره) بحاثاً في المسائل العلمية، عميق النظر، قوي الحجة، دؤوباً في الأعمال العلمية، دائم التفكير، لا يفارقه العمل العلمي، ممّا جعل مراجع الطائفة فى عصره يستعينون به في مجالس الاستفتاء، من مثل :

1 - آية الله العظمى الميرزا آقا الإصطهباناتي(قدس سره) المتوفى سنة (1380هـ ).

2 - آية الله العظمى السيد عبدالهادي الشيرازي(قدس ره) المتوفّى سنة (1382 هـ).

3 - آية الله العظمى السيد محسن الحكيم(قدس سره) المتوفى سنة (1390 هـ).

4 - آية الله العظمى السيد أبوالقاسم الخوئي(قدس سره) المتوفى سنة (1413 هـ) فقد فوّض إليه اُمور الاستفتاءات.

وكانت له المنزلة المرموقة لدى هؤلاء الأعاظم خصوصاً لدى السيد الخوئي(قدس سره).

 

آثاره العلمية

لسيدنا المعظّم آثار ومؤلفات كثيرة مخطوطة لم يمهِّدها ويعرضها للنشر فى زمان حياته(قدس سره) وذلك لشدة تواضعه وتجنبه عن الشهرة، وقد جمع شيئاً من مؤلفاته وتقريراته لبحوث أساتذته وأهداها الى أحد تلامذته وهو سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد حسين الجلالي(1) وهي الآن محفوظة فى مكتبته العامرة. ونحن ذاكرون هنا تأليفاته التى وقفنا عليها:

1 ـ تقريرات الاُصول وهو مجموع لتقرير دورتين اُصوليتين من بحوث المحقق العراقي(قدس سره) وستقدَّم للطبع إن شاء الله.

2 ـ تقريرات الفقه لبحوث الشيخ المشكيني(قدس سره) - كتاب الصلاة- مخطوطة.

3 ـ تعليقة على (نهاية الدراية) لاُستاذه الشيخ الإصفهاني(قدس سره) وهي من تأليفاته التى فقدت فى الهجوم الأخير على النجف الأشرف.

4 ـ قاعدة لا ضرر طبعها أخيراً مكتب الاعلام الإسلامي في قم المقدسة.

5 ـ تحقيق وتصحيح (تذكرة الفقهاء) للعلاّمة الحلّي الجزء 7 و 8 وقد شاركه فى التحقيق زميله آية الله الشيخ محمد رضا المظفّر(قدس سره) طبع فى النجف سنة (1374ق)(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1-  مقدمة كتاب قاعدة لا ضرر للمحقق العراقي تحقيق السيد قاسم الجلالي: 124.

2-  مكتبة العلاّمة الحلّي: للسيد عبد العزيز الطباطبائي: 237.

ومن آثاره في سنيّ شبابه ما فوّضه إليه أساتذته ومراجع عصره من التحقيقات والتصحيحات العلميّة لتآليفهم القيّمة منها:

1 ـ تحقيق كتاب (مستمسك العروة الوثقى) للسيد الحكيم(قدس سره)(1).

2 ـ تصحيح (مقالات الاُصول) لاُستاذه المحقق العراقي(قدس سره)(2)

3 ـ تحقيق (روائع الأمالي) للمحقق العراقي(قدس سره).

4 ـ تصحيح (حاشية الكفاية) لاُستاذه المشكيني(قدس سره).

5 ـ تعليق واخراج (وجيزة فى علم الرجال) للشيخ المشكيني(قدس سره)(3).

 

أخلاقه

كان ذا أخلاق كريمة، طيِّب النفس، على جانب عظيم من التواضع والتقوى، حلو المعاشرة، خفيف الروح، عذب البيان، وهو فى حياته الشخصية زاهد قانع باليسير من لوازم الحياة المادية، مقبل على أعماله العلمية لخدمة مذهب أهل البيت ، قاصداً التجنب عن الشهرة وما أعظمها من خصلة قلّت في زماننا إن لم تُعدم.

ولشدة ورعه وتواضعه لم يتصدّ للمرجعية والزعامة بأي وجه من الوجوه، بل كان يتجنب كل ما يحتمل أن يكون من مقدماتها، مع انّه(قدس سره) قبل اعتقاله واستشهاده بأكثر من عشرين عاما كان مرشحاً ومؤهلا لها وفي مظان الأعلمية عند فضلاء الحوزة العلمية فى النجف الأشرف.

ثم إنّ كثيراً ما كان علماء النجف وفضلاؤها يستنجدونه فى حلّ المشاكل

ــــــــــــــــــــــــــــ

1-  مستمسك العروة: 1/ 3.

2-  مقالات الاُصول: 2/ 7 طبع قم مجمع الفكر الإسلامي (1420 ق).

3-  الذريعة: 16/ 337 .

العلمية التى يواجهونها فى مطالعاتهم وأبحاثهم فكان يحلّها ويفك رموزها لهم بسعة صدر ومن دون أيّ تكلُّف.

 

الشهادة

قد صمد فقيهنا الشهيد أمام المضايقات والعواصف العديدة التى واجهت الحوزة العلمية فى النجف الأشرف فلم تزعزعه، وظلّ كالجبل الراسخ في جوار جدّه أميرالمؤمنين(عليه السلام) مصراً على إرادته وهدفه المقدّس وهو استمرار الحياة العلمية والإرشادية لحوزة النجف الأشرف خدمةً للإسلام والمسلمين.

وهكذا واصل السيد الخلخالي(قدس سره) جهاده العلمي والعملي ما يقرب القرن من الزمن حتى حدثت الانتقاضة الشعبانية ضد النظام البعثي الفاسد عام (1411 هـ) وبعد أن اقتحم النجف جنود الكفر لإطفاء تلك الثورة حيث استباحوا المحرمات وانتهكوا المقدسات، وارتكبوا أبشع انواع الجرائم...

اعتقل السيد الخلخالي فى أوّل شهر رمضان سنة (1411 هـ) مع نجله حجة الإسلام والمسلمين السيد مهدي الخلخالي وثلاثة من  حفدته السيد محمد صادق والسيد محمد صالح والسيد محمد حسين بشكل مفجع، وبقوا مغيَّبين فى غياهب سجون البعثيين مع عدد كبير من العلماء والمجتهدين من دون أن يعرف أحد عن مصيرهم شيئاً.

والى حين سقوط الطاغية وبعد اثني عشر عاماً من الصبر والانتظار وبمزيد من الأسى تلقينا نبأ استشهاد هذا الفقيه المظلوم مع نجله وحفدته، ومن دون أن نقف على أثر لأجسادهم الطاهرة أو على مزارها ومثواها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.